كتب يوسف الشايب:
"عندما يقتحم بيتك غرباء ليس فقط لسرقته، بل لاغتصاب ماضيك وحاضرك ومستقبلك، فإنهم يحاولون إلغاءك من الوجود، ليحتلوا مكانك. تلك هي حكاية الرجل الذي فوجئ بغرباء يأتون إلى بيته في البداية صامتين لا تعرف ماذا يريدون، يتجولون في المكان ويتفقدونه، يأخذون في قياس مساحته، ويرفضون دعوته لشرب القهوة، كما رفضوا، بداية، أي محاولة لفتح أي حوار معه.. مع الوقت يكتشف أن تلك الزيارة ليست ودية، بل إن لها غرضاً آخر: سرقة المنزل وطرد صاحبه، بحيث تتكرر الزيارات وفي كل مرة يرفضون شرب القهوة.. تتزايد الضغوط على الرجل ومن ثم عليه وزوجته ليتركا بيتهما، وبالرغم من استغاثته المتكررة إلا أن الجيران صامتون".
من شاهد مسرحية "الغرباء"، من تأليف وإخراج جورج إبراهيم، في إنتاج جديد لمسرح القصبة في مدينة رام الله، وعرض على خشبته قبل أيام، يدرك يقيناً أن التوصيف السابق حولها، لكنه في حقيقة الأمر توصيف رافق سهرة تلفزيونية في عدة مواقع إلكترونية، أنتجت قبل قرابة نصف قرن بعنوان "الغرباء لا يشربون القهوة"، عن نص مسرحي سبقها بعشرة أعوام أخرى للمصري محمود دياب (1966)، بالعنوان نفسه.
وكان لافتاً أن جهة الإنتاج الفلسطينية كما مخرج "الغرباء"، الذي أشار في إعلاناتها ودعواتها، إلى أنها من تأليفه أيضاً، تجاهلا أي إشارة من قريب أو بعيد، إلى أن عملهم الأحدث مقتبس عن "الغرباء لا يشربون القهوة" لمحمود دياب.
ومنذ إطلاقها نصاً فعملاً مسرحياً، لم تتوقف "الغرباء لا يشربون القهوة" عن الحضور على خشبات المسارح العربية، المصرية وغير المصرية، وبأكثر من تقنية، وعلى شاشات التلفزيون أيضاً، حيث قُدّمت سهرة تلفزيونية سورية في العام 1972، من إخراج غسان جبري، وتمثيل: عبد الرحمن آل رشي ورضوان عقيلي وآخرين، قبل أن تتحول لسهرة تلفزيونية مصرية في العام 1976، من إخراج علوية زكي، وتمثيل: محمود المليجي، وهانم محمد، وغيرهما.
ولكوني كنت قد شاهدت النسخة التلفزيونية المصرية من رائعة محمود دياب، أكثر من مرّة، سرعان ما تقافزت إلى ذهني، عند مشاهدة عديد المشاهد، بل كثيرها، من "الغرباء" بنسخة العام 2025 لجورج إبراهيم، لقطات مشابهة بالأبيض والأسود من على الشاشة الصغيرة.
صحيح أن الكاتب في المسرحية بنسختها الأحدث عربياً، عمل على فلسطنتها، مُستحضراً القهوة عند محمود درويش، وصاحب البيت القارئ لغسان كنفاني، ورموزاً فلسطينية عدّة كالثوب المطرز المتوارث، وعباءة الجد، والزعتر بأنواعه، والمريمية وغيرها، وأدخل صوت جرافات الاحتلال، وأشار إلى الجنود الذين يحيطون بالمنزل، إلا أن الغرباء لم يشربوا قهوته أيضاً، والابن الأوحد في الحالتين غادر البلاد مغترباً.
وليس ذلك فحسب، فرغم الفارق الزمني الكبير، بدت ملامح الغرباء متشابهة في العمليْن إلى حد كبير مع تغييرات طفيفة، فيما كانت لكنتهم الروبوتية متطابقة، كما هو حال عدم معرفة صاحب المنزل، بادئ الأمر، لماذا يقوم الغريبان أو الغرباء بإجراء القياسات حوله.
وهذا الأمر ينسحب حتى على تفصيلة "النصف سنتيمتر"، علاوة على تقاطعات الحوار بين النسختين، حتى بدت الأحدث وكأنها نسخة طبق الأصل عن سابقتها في الكثير منها، فكما جاء على لسان المليجي: "الأرض بتكش، معقول الأرض بتكش، الأرض مش ممكن تكش"، وهو ذات التعبير لصاحب البيت الفلسطيني، مع اختلاف اللهجة.
واستعار جورج إبراهيم المخرج من التمثيلية، مشاهد بعينها، مع بعض التطوير، كمشهد البطاقات، ومشهد الاستيلاء على الصندوق ومحتوياته التي هي ذاتها، أو تكاد، من كتابات صاحب البيت طفلاً ويافعاً، ومحاولاته الشعرية شاباً، والصور العائلية العتيقة، وشهادة ميلاد الابن، والرسائل الخاصة بين الزوجين الباقييْن وحدهما في البيت المهدد بالمصادرة، وطريقة تمزيق وثائق الذاكرة بما فيها الأوراق الثبوتية لملكيّة المنزل، وغير ذلك، وصولاً إلى النهاية، أو ما قبلها، بضرورة عودة الابن من مهجره إلى البلاد، وتحديداً إلى حيث المنزل المهدد بالهدم والمصادرة.
ورغم أهمية إعادة تقديم العمل من جديد في فلسطين، ومنحه نكهة محليّة، خاصة في هذا الوقت الذي تزداد فيه وتيرة مصادرة المنازل الفلسطينية لصالح البؤر والمستوطنات والطرق الاستيطانية، وما يشتمل عليه من رسائل، إلا أنه وعلاوة على عدم الإشارة إلى العمل الأصلي، فإن طريقة التقديم، برأيي، لم تكن مُبتكرة لجهة الإخراج، مع بعض الاجتهاد سينوغرافياً، وأيضاً لجهة أداء الممثلين: أميرة حبش، وضياء حرب، ومنذر بنورة، وسليم النبالي، على تفاوت مستوياتهم، في المسرحية التي شارك فيها إبراهيم راوياً أيضاً.
0 تعليق