كتب عيسى سعد الله:
لم يعد المواطنون في قطاع غزة قادرين على تحمل قسوة النزوح وتداعياته الصحية والمالية الكارثية، ما دفع البعض إلى دفع حياته ثمناً عندما قصفت قوات الاحتلال منزله فوق رأسه، كما هو الحال مع أسرة المواطن ذيب الددة في حي النزلة، حيث استشهد عدد كبير من أفراد أسرته، أول من أمس.
فيما توقف الكثير من هؤلاء في منتصف الطريق وافترشوا الطرقات لعدم امتلاكهم الأموال اللازمة لدفع تكاليف المواصلات للتوجه إلى مناطق أقل خطراً، كما هو الحال مع المواطن فريد عبد الله الذي افترش إحدى الطرقات جنوب مدينة غزة، برفقة عدد كبير من أفراد أسرته، بينهم مصابون ومعاقون ونساء ومسنون.
وانضم عبد الله إلى مئات النازحين التي تقطعت بهم السبل في المنطقة، ولم يعودوا قادرين حتى على العثور على دورات مياه، أو ما يمكن أن يقيهم من حر الشمس اللاهبة، أو يحميهم من القوارض التي تنتشر بكثرة بين الركام المتناثر في المنطقة.
وقال عبد الله لـ"الأيام": إنه بالكاد استطاع الوصول إلى المنطقة بعد أن خرج من حي النزلة ببلدة جباليا، أول من أمس، تحت القصف الإسرائيلي المتواصل.
وأوضح عبد الله أن معظم أفراد الأسرة وصلوا سيراً على الأقدام، رغم تجاوز المسافة عشرة كيلومترات، مبيناً أنه اضطر للنوم بجانب سور أحد المنازل المدمرة في المنطقة، أملاً في أن تسهم مؤسسات بتوفير خيمة على الأقل تحفظ خصوصية النساء.
ورغم مرضه وهزاله إلا أن عبد الله يحاول إخفاء يأسه مما وصل به الحال ومن خشيته من المستقبل، موضحاً أنه قاوم النزوح على مدار العامين الماضيين، ولكنه في هذه المرة لم يستطع مقاومة شراسة العدوان والمدرعات المفخخة التي دمرت منطقتهم بالكامل.
أما المواطن رائد محمد طليب فقد عبّر عن حزنه الشديد لعدم قدرته على توفير مأوى لزوجته وابنتيه وزوجة ابنه وأحفاده.
وافترش طليب في الخامسة والخمسين من عمره، وابنه الطريق، فيما لجأت زوجته وبناته إلى إحدى الخيام المجاورة المأهولة بعد أن توسل لأصحابها.
وبيّن طليب أنه فقد كل شيء وخرج من منزله بقليل من الأمتعة الشخصية، مؤكداً أنه يحتاج إلى مبلغ كبير ليتمكن من تدبّر أموره وشراء خيمة واحدة على الأقل.
ويبلغ ثمن الخيمة الواحدة نحو خمسة آلاف شيكل، فيما تبلغ تكاليف المواصلات أكثر من ألفي شيكل، إضافة إلى المصاريف الأخرى.
وناشد طليب المؤسسات الخيرية والمبادرين الاهتمام بشؤون النازحين، وتوفير المآوي المؤقتة ومياه الشرب، والتي باتت تشكل تحدياً لهم.
وأدى اجتياح قوات الاحتلال لبلدة جباليا النزلة وأطراف حي الشيخ رضوان الشرقية، منذ أسبوعين، إلى تشرد ونزوح أكثر من خمسين ألف مواطن انضموا إلى نحو 800 ألف نازح في مدينة غزة، وبعض مناطق محافظتَي الوسطى وخان يونس.
وأبكى مشهد لعدد من المعاقين ذهنياً وحركياً، عجز ذووهم عن رعايتهم، العديد من المارة والنازحين. واضطر والدهم عيسى أبو صلاح للتوجه إلى شاطئ البحر القريب، ليتمكن من تقديم الحد الأدنى من النظافة الشخصية لهم بمياه البحر، رغم عدم ملاءمتها.
وقال أبو صلاح، في الأربعينيات من عمره: إنه لا يستطيع تحمّل تكاليف استئجار شقة سكنية بعد أن ارتفعت أسعارها إلى أكثر من 5000 شيكل للشقة العادية.
ولفت أبو صلاح إلى أنه خرج من منطقة أبو إسكندر في حي الشيخ رضوان بصعوبة بالغة، بعد أن أمطرتهم طائرات "كواد كابتر" بوابل من القنابل المتفجرة والحارقة، والتي أدت إلى إحراق منزله ومنازل أخرى في المنطقة.
ومع اقتراب الظلام وغروب الشمس حاول أبو صلاح وزوجته الاحتماء خلف كومة من الركام وتحويلها إلى مأوى. ومع تعمق العدوان الإسرائيلي في جباليا بشكل خاص ومدينة غزة بشكل عام، تزداد حركة نزوح المواطنين باتجاه محافظتَي الوسطى وخان يونس، لا سيما بعد إعلان جيش الاحتلال مدينة غزة منطقة قتال خطرة.
0 تعليق